زمان… أيام جدك الملك نبـكا


د. حسن السبيري


هناك ملوك تركوا وراءهم أهرامًا ومعابد وتماثيل ضخمة، ومع ذلك بهتت أسماؤهم مع الزمن، وهناك من لم يصلنا من آثارهم إلا القليل، ثم ظل اسمهم حيًا في ذاكرة الناس قرونًا طويلة، ومن هؤلاء كان الملك نبكا، أو حورس سانخت باسمه الملكي، أحد ملوك بدايات الدولة القديمة في جيبتا.

لا نعرف عن نبكا بالقدر الذي نعرفه عن زوسر أو سنفرو أو خوفو، فآثاره قليلة، وصورته التاريخية يحيط بها شيء من الغموض، ومع ذلك استطاع اسمه أن يعبر الزمن، وأن يخرج من حدود النقوش والآثار إلى عالم الحكايات والحكم.

وهنا تبدأ حكايته الأكثر إثارة.

فحين ننظر إلى ما وصلنا عن الملك نبكا في الحكايات القديمة، نجد أننا أمام اسم كان حاضرًا في الذاكرة قبل أن يصل إلينا في نص مكتوب. كانت قصصه تُروى بين العوام، وتنتقل من مجلس إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، وتجد طريقها كذلك إلى القصور ودوائر النخبة، ثم جاء الكتبة فحفظوا لنا شيئًا من هذا العالم الذي ظل حيًا على الألسنة.

ولهذا كان الملك نبكا شخصية يعرفها المستمع بمجرد ذكرها، كان الراوي يقول كما في طريقتنا اليوم: “زمان، في أيام جدك فلان…”، فهناك كان القول “زمان كان جدك نبكا … كيت وكيت وكيت”، ثم يترك الحكاية تحمل ما فيها من معنى وحكمة وعبرة.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة، لماذا؟ لأن ما وصلنا مكتوبًا قد يكون آخر حلقة في سلسلة أطول كثيرًا من الرواية الشفوية التي كانت تتناقل عنه. فالكاتب الذي دوّن الحكاية التقط منها ما كان ما يزال متداولًا، ومنح القصة شكلًا بقي بعد أن اختفت الأصوات التي كانت تحكيها.

ومن هنا يبرز سؤال بسيط: لماذا يظل أحدهم حاضرًا في الذاكرة؟

بمنتهى البساطة، لأن الذاكرة البشرية ذاكرة انتقائية وجدانية، لا تقيس الإنسان بحجم ما امتلكه، وإنما بمقدار ما استطاع أن يتركه داخل الآخرين. فمثلا قد تحتفظ أحيانًا بحكاية عن عدل، أو كلمة تُنسب إلى حكمة، أو بصورة إنسانية تنتقل من جيل إلى جيل، حتى تصبح حياة، أحدهم هذا، بعد موته أطول من سنواته التي عاشها في الذاكرة البشرية. فالإنسان حين يتحول إلى ذكرى؛ تسقط من حوله أشياء كثيرة، وهنا، تختلط التفاصيل، وتبهت أسماء الرجال والأصدقاء الذين كانوا يقفون بجواره، ثم يبقى شيء صغير قادر على مقاومة الزمن، شيء لا يُدركه هو في لحظته.

كان نبكا ملكًا في زمن ما زالت فيه الدولة تثبت حضورها بعيدًا عن وادي النيل. ووصل اسمه إلى أرض الفيروز في سيناء، هناك نراه في الصورة الملكية القديمة ممسكًا بعدوه، في عالم كانت فيه البلاد تحتاج إلى القوة والحماية وإظهار سلطان الدولة، لكن الناس الذين جاؤوا بعده لم يحفظوا عنه عدد حملاته العسكرية أو تفاصيل تحركات رجاله كي يبقى اسمه.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة في نبكا؛ فقد ضاع جانب كبير من عالمه المادي، بينما وجدت مواقفه وما حملته من عبرة في الحكايات طريقًا أطول إلى الحياة، فانتقلت من زمن إلى زمن، وأعاد كل جيل منحها شيئًا من روحه.

وفي عالمنا المعاصر تبدو الفكرة أقرب مما نتصور، فقد يستطيع الإنسان أن يشغل منصبًا كبيرًا، وأن يمتلك نفوذًا واسعًا، وأن يملأ زمنه حضورًا وضجيجًا، ثم تمر السنوات فلا يبقى من كل ذلك سوى صورة قديمة، وجسد حمل مع صاحبه كل هذه السلطة ثم انتهى على ملاءة ونمرقة عطنة.

وقد يمر في الزمن نفسه شخص أقل صخبًا، يترك كلمة في عقل إنسان، أو موقفًا في قلب آخر، أو أثرًا يجعل الناس يذكرونه كلما احتاجوا إلى استدعاء معنى عاش من أجله.

وبعد آلاف السنين نعود نحن لنقص حكاية جدك نبكا – نبحث عنه، ونعيد سيرته، ونقص حكايته من جديد – ليجسد إحدى أقوى صور الخلود في الذاكرة البشرية عبر الحكايات… ويا بختك؛ حين يأتي زمن بعيد، لا يعرف أهله شكل وجهك، ولا موضع قبرك، ولا كيف كان صوتك، ومع ذلك يجدون فيك شيئًا يستحق أن يُحكى… فالخلود في ذاكرة البشر قد يبدأ من أثر صغير، لكنه يصيب موضعه الصحيح في القلب.